ابن الجوزي
52
بستان الواعظين ورياض السامعين
الدنيا فإذا وجدت له صدقة طيبة تصدق بها لم يرد بها إلّا وجه اللّه تعالى ، ولم يطلب بها جزاء من مخلوق ولا رياء ولا سمعة ولا محمدة ولا شكر ، فإن تلك الصدقة توضع في الميزان بأمر الملك الخلاق فترجح على جميع سيئاته ولو كانت سيئاته مثل وزن الجبال وأنشدوا : يا جامع المال يرجو أن يدوم له * كل ما استطعت وقدم للموازين ولا تكن كالذي قد قال إذ حضرت * وفاته ثلث مالي للمساكين واعملوا عباد اللّه أن الميزان إذا نصب للعبد فهو من أعظم الأهوال يوم القيامة ، لأن العبد إذا نظر إلى الميزان انخلع فؤاده وكثرت خطوبه ، وعظمت كروبه فلا تهدأ روعة العبد حتى يرى أيثقل ميزانه أم يخف ، فإن ثقل ميزانه فقد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا ، وإن خف ميزانه فقد خسر خسرانا مبينا ، ولقى من العذاب أمرا عظيما . [ 82 ] شفاعة الرسول ذكر في الأخبار أن أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم إذا قدموا إلى الميزان عظمت كروبهم ، حين أظهرت لهم قبائحهم وعيوبهم ، ووزنت أوزارهم وذنوبهم ، وضاقت حيلهم ، وتغيرت أحوالهم ، فعند ذلك يأتيهم النبي الشفيع محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فإذا نظر إلى أمته قد تحيروا عند الميزان دعا اللّه أن يثقل موازينهم ، فيأمره اللّه تعالى أن ينظر إلى موازين أمته فينظر صلى اللّه عليه وسلم إليها فترجح موازينهم من نظره ونور وجهه صلى اللّه عليه وسلم . ذكر أن الميزان بيد جبريل عليه السلام وله كفتان أحدهما بالمشرق والأخرى بالمغرب ، وأن الذرة والخردلة والحبة من أعمال العباد من الخير والشر لتوضع في الكفة فتميل بها بقدرة اللّه تعالى ، فاللّه أعلم بحقيقة ذلك . فلا يحقرن أحدكم حسنة يعملها وإن صغرت في عينه فربما ثقلت الميزان ، ولا يحقرن أحدكم سيئة يعملها وإن صغرت فربما خففت الميزان . لأن الذنب الصغير في عين محتقره يأتي يوم القيامة وهو في الميزان أعظم من الجبال الرواسي . [ « 83 » ] ما يثقل الميزان قال اللّه تعالى : وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً
--> ( 83 ) حديث « كلمتان خفيفتان على اللسان » . -